أبي منصور الماتريدي
253
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وظن أبو بكر الأصم أنهم كانوا كفرة إلى أن سمعوا الهدى فآمنوا به ؛ لأنه لو كانوا على الهدى من قبل لكان الإيمان منهم سابقا ؛ فلا يكون لقوله : آمَنَّا بِهِ وقد آمنوا من قبل - معنى ، وليس يثبت كفرهم بما ذكر ؛ لأنه قد يجوز أن يكونوا على الإيمان فلما سمعوا الهدى ، أحدثوا إيمانا بهذا الهدى على ما سبق منهم من الإيمان بالجملة ؛ ألا ترى إلى قوله - عزّ وجل - : فَزادَتْهُمْ إِيماناً [ التوبة : 124 ] ، وقال : لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ [ الفتح : 4 ] ، أي : زادوا إيمانا ؛ [ بالتفسير على ] « 1 » ما سبق منهم من الإيمان بالجملة لأنهم لم يكونوا من قبل مؤمنين ، فأحدثوه للحال ، وكذلك قال : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [ الفاتحة : 6 ] ، وقد هدوا الصراط « 2 » المستقيم ، ولكنهم يريدون بهذا الدعاء أن اهدنا بالإشارة والتعيين إليه الصراط [ المستقيم ] « 3 » على ما هديتنا في الجملة ؛ فكذلك إحداثهم الإيمان بما سمعوا من الهدى لا ينفي عنهم الإيمان فيما سبق من الأوقات ، بل يجوز أن يكونوا مؤمنين من قبل ، ثم يحدثوا الإيمان بكل أمر يجيئهم من عند الله - عزّ وجل - ، ولا يدل إيمانهم [ به ] « 4 » على أنهم لم يكونوا من قبل مسلمين ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً . قال - رحمه الله - : إنه لا أحد من أهل الإيمان من جني ولا إنسي يخاف البخس والرهق من الله تعالى إلا المعتزلة ؛ فإنهم يخافون ذلك ؛ لأنهم ليسوا يخرجون مرتكبي الكبائر من الإيمان ، ثم يطلقون القول فيهم : إنهم يخلدون « 5 » في النار ، وفي التخليد خوف البخس والرهق ، بل فيه ما يزيد على البخس ؛ لأن البخس هو النقصان ، وفي التخليد ذهاب منفعة الإيمان ومنفعة الخيرات التي سبقت منهم . وقال تعالى : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] ، والمعتزلة تزعم أنه [ لو ] « 6 » آخذهم بالخطإ والنسيان ، كان جائرا . وقال : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [ آل عمران : 8 ] وهم يزعمون أنه لو أزاغ قلوبهم بعد الهدى ، كان ذلك منه جورا وظلما ، فهم أبدا على خوف من جور ربهم . ونحن نقول بأنه لو آخذهم به ، كان يكون ذلك منه عدلا ، وإذا عفا عنهم ، كان ذلك منه إنعاما وإفضالا ، فنحن ندعو الله تعالى ، ونتضرع إليه ألا يعاملنا بعدله فنهلك ، بل
--> ( 1 ) في أ : لتفسير . ( 2 ) في ب : للصراط . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : مخلدون . ( 6 ) سقط في ب .